الشيخ محمد رشيد رضا
367
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما يدل على الكثرة . قال في اللسان : البجس انشقاق في قربة أو حجر أو أرض ينبع منه الماء ، فإن لم ينبع فليس بانبجاس وأنشد * وكيف غربي دالج تبجسا * « 1 » والسحاب يتبجس بالمطر ، والانبجاس عام ، والنبوع للعين خاصة ، وبجست الماء فانبجس أي فجرته فانفجر ، وبجس بنفسه يبجس ، يتعدى ولا يتعدى ، وسحاب بجسّ ، وتبجس أي تفجر اه وفي الأساس : انبجس الماء من السحاب والعين : انفجر ، وتبجس : تفجر الخ . . . وسحائب بجس وبجسها اللّه . قال ابن مقبل : له قائد دهم الرباب وخلفه * روايا يبجسن الغمام الكنهورا « 2 » وحاصل المعنى : وأوحينا إلى موسى حين استسقاه قومه فاستسقى ربه لهم ( كما في آية البقرة ) بأن اضرب بعصاك الحجر فضربه فنبعت منه عقب ضربه إياه اثنتا عشرة عينا من الماء بعدد أسباطهم قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ أي قد عرف أناس كل سبط المكان الذي يشربون منه ، إذ خصّ كل منهم بعين لا يأخذ الماء الا منها لما في ذلك من النظام ، واتقاء ضرر الزحام . وفي أول سفر العدد من التوراة : ان عدد الرجال الصالحين للحرب من بني إسرائيل كان يزيد على ستمائة الف من ابن عشرين فما فوقه فعلى هذا يكون عدد الجميع رجالا ونساء وأطفالا لا يقل عن ألفي ألف ( مليونين ) . وللمؤرخ النقادة الحكيم ابن خلدون تشكيك معروف فيما قاله المؤرخون تبعا للتوراة في كثرة هذا العدد من وجوه كثيرة فصلها في أول مقدمة تاريخه ، ولكن لا يمكن الشك في أنهم كانوا ألوفا كثيرة أو عشرات الألوف ، فإذا لم يكن لهم في سيناء موارد للماء غير تلك العيون التي انفجرت من صخر في جبل ( حوريب ) متصل به ، فلا بدّ أن تكون مساحة ذلك الصخر واسعة جدا ، وأن يكون السهل أمامه أفيح ليسع الألوف من الأسباط يردون
--> ( 1 ) أي وكفت وسالت كوكيف دلوي ماتح من البئر وهو الدالج . فالوكيف مصدر كالوكف والوكوف ( 2 ) الرباب السحاب ، والكنهور كسفرجل السحاب المتراكم والروايا الإبل التي تحمل الماء . والكلام في وصف سحاب ماطر يقول إن له قائدا من السحائب السود ، وخلفه سحائب ثقال من حمل الماء كالروايا يبجسن أي يفجرن الغمام المتراكم بالوابل المدرار